|

قراءة نقدية في قصيدة/ الناقد: باسين بلعباس :خواطر القلب للشاعر غزول بلعباس

خـواطـــرُ القلـبِ ترجـيـــعٌ مِـنَ الـرَّمَــقِ
يا ومضـةَ الأنسِ في مُسْتَـوْدَعِ الغســقِ
أَيُّ انْعِـتـَـاقٍ سَــرَى في رَمْـشِ سـاهمـة
في طَـرْفِـها حَــوَرٌ مَمْشُـوقَــةُ النَّسَــقِ؟
عـجَّـــتْ بذاكــرتي و الدَّمـــعُ يَخْـنُـقُـهـا
فألْجَمَـتْـني و زادتْ مـــن لَـظَـى أَرَقــِي
مَشْـلُــولَــــةٌ في رُؤَاهـــا رَجَّــهـا أَلـَــــمٌ
أرْسَـى قــــوارِبَــهُ في مَطلــعِ الشَّـفَـــقِ
يا لَيْتَـهَا مـا عـَـدَتْ تَجْثُــو على خَلَــدي
فـتُـغـــرق القـلـبَ في طُــوفـَانِها القَلِــقِ
ماذا سَـأَكْـتُـمُ؟ ضَـاعَ السِـــرُّ يا سَـنَـدي
وا حَـــرَّ ما فَعَلَـتْ بي رَعْشَـةُ الحَـدَقِ!
ذَابَ الجَوَى و حُروفُ الهَجْرِ تَـرْمُقُني
شَــــزْرًا فَـأُرْسِـلُـهَـا حِـبْــرًا علـى وَرَقِ
هَذِي التَّبَـاريـحُ كَمْ شَبَّـتْ و ما رَحِمَـتْ
حتى طَـوَى سَيْـلُها قهــرًا رُبَى عُـنُـقِي
قد كنـتُ يَـوْمًـا خَلِيَّ الـبـَـالِ تَحْـسـبُـني
زهرا تَـرَبـَّــعَ في روضٍ مــن الغَـــدَقِ
و اليـومَ يا صـاحبي موجـوعةٌ كبــدي
نــــاءٍ أحــنُّ لـرمـــلِ البلــــدةِ العَـبِـــقِ
حِبْري شِــراعٌ لِبَحْـر الروح تُـرْجُمَــةٌ
ضاعَ الشِّراعُ و جَفَّ البحرُ في حَلَقِي
تَورَّمَ الحزنُ في قـلـبـي فَـيَــا وَلَــهِـي
أينَ المَـــلاذُ و رَبِّ الطِّـيـنِ و الفَـلَــقِ؟
يا دمْعَـــةً نَـزحَــتْ في طَـيِّ راعِـشَـــةٍ
مَـادتْ فَـفَـاضَــتْ فأَوْدَتْني إلى الغَـــرَقِ
لِمَــنْ سَــأَكْـتُـــبُ آلامًــــا مُـبَــرِّحَـــــةً؟
لِمَـنْ سَـأَتْـلُــو تَعـاوِيـذي من الفَـــرَقِ؟
و مَـنْ سـيـسـمــع أَنَّـــاتي إذا نَــزفَــتْ
شـــوكـا مُـذابًــا على هَـتَّـانَـةِ الطُّــرُقِ؟
آهٍ لـذِكـــراكِ كــم أَشْــقَـى بِـقَـسْــوَتِـهَـا
ضَّتْ فؤادي و ما كانَ الهوى خُلُقِي!
يا عـاذِلي لا تَـلُـمْ حـسْـبي و سَـاحِــرَةٍ
يضيـــعُ مِـنيِّ إذا مَــا رُمْـتُـهـا شَـبَـقِي
يا "عينَ وسَّـــارةَ" الحـوراءَ يا سـكَــني
يا نبضـــةَ الـروح يا فيــروزةَ الألـَــقِ
كم ارتشَـفْــتُ من العينِ التي غَـدقــتْ
دمـــوعُها حــبَّ قلـبٍ صـــادقٍ وَمِـــقِ
ماذا تُساوِي عطــورُ الغربِ في مُهَـجٍ
تحـــنّ للـرَّمـــلِ, للنَّعنـــاعِ و الحَـبــَـقِ
حـسْـبي أجِيجُ الهوى بالقلبِ يُلْهِـبُـني
يا دمْعـةَ الحزن في الأحْداقِ إحْـتَرِقي
بلعباس غزول
بسم الله الرحمن الرحيم
المكان يغسل النص ويتعمقه ،يحيط به ويستغرقه،جعلت من ع.وسارة محور القول ولبّ الهوى،لا ينفصل الإحساس بعمق المرجع الذي يحيلنا عليه الدليلا اللساني المنثور في ثنايا النص..عن حالة يشعرها الناص في علاقة منقطة تدل على أن المرجع يجب أن يمر عبر المدلول..
ماذا قلت؟
كأني أقول ماذا تركت من القول..!
وأعجب إن لم يحركنا التوالد الداخلي لمفردات لم نقدر على ردها ،بل لم أنجُ من قوة ردّها وعمق تغلغلها لمشاركتي الناص عمق المكان الموحي..المثير..ع.وسارة
هو من عالم الموجودات ،الخارجة عن كياناتنا..لكنه يلف الكل حتى ليكاد يكونه ،بل ويستغرقه،لحمولة في اللفظ تحيل إلى ذلك :خواطر القلب ..العنوان عتبة نمر من خلالها إلى حالة عاطفية تشد الداخل[المتلقي]إليها وتحيطه بالحنان..ولا أدلّ على ذلك مما يذهب إليه باشلار[غاستون ] من حنينية المكان..وارتباطه بصاحبه،مهما كان هذا المكان،خاصة إذا تعلق بالذكريات والزمن الجميل،ولهذا يمكن للشاعر أن يتحول إلى رجل يلتقي الآخرين عن طريق الإلهام الخاص الذي يحوله من العامة إلى الخاص،مجردا من مخاطبة البسيط إلى لقاء الخاص في ظرف خاص،وتركيب خاص،وبناء خاص بهندسة خاصة،مردها الخيال وعلاقته بالمكان:"بل إن الخيال بالنسبة إلى المكان يلغي موضوعية الظاهرة المكانية ـ أي كونها طاهرة هندسية،ويحلّ محلّها ديناميته الخاصة ـ المفارقة ـ وعندما يتحول الخيال إلى شعر فهو يلغي السببية ليحلّ محلها "التسامي الخاص"...]..
إن الاعتباطية تكون في أسمى تجلياتها حينما نقرأ بالعين،ويتحرك في القلب شيء لا ندري كنهه..إنها أشبه بخلية تقوم بعمل التوالد الداخلي بمعزل عن شعورنا،تغيبنا الحالة الساكنة،تبلّد الأحاسيس ،تُبَرّدها حتى الجماد..فإذا قرأت بعينك:
عـجَّـــتْ بذاكــرتي و الدَّمـــعُ يَخْـنُـقُـهـا

فألْجَمَـتْـني و زادتْ مـــن لَـظَـى أَرَقــِي

مَشْـلُــولَــــةٌ في رُؤَاهـــا رَجَّــهـا أَلـَــــمٌ

أرْسَـى قــــوارِبَــهُ في مَطلــعِ الشَّـفَـــقِ
ولم تدرِ أن حالة الاسترجاع وامتلاك الخيال الظاهرة النفسية الممتدة إلى الماضي [الذكريات،وما يخطر بالبال]فالحال أن الجمود لم يمكّن المتلقي من العبور إلى العمق،والإبحار في لجج الحالة دون قوارب مانعة للغرق،إن ما يذهب إليه باشلار في هذا الإتجاه يحقق هذه المعادلة بين التلقي في العمق ،والقراءة بالعين والاكتفاء بالاندهاش من حالة مجهولة:"..الغزارة والعمق في القصيدة هما دائما ظاهرة ثنائية الرنين ورجع الصدى،فكأن القصيدة بغزارتها وخصوصيتها توقظ أعماقا جديدة في داخلنا للتأكد من الوظيفة السايكولوجية للقصيدة.."وربما مرّ بعضنا أمام مفهوم الوظيفة السايكولوجية للقصيدة،واعتبرها لفظا مركبا يختص بعلم النقد وتشريح النص ،وما هو كذلك ،بل يختص بتشريح العلاقة بين الناص،والنص..وإن شئت فقل:لماذا قال نيابة عني ما أشعره،وحرك أشيائي الخاصة،ولو علمت الخبايا لأدركت أنها ليست من الخاصة لك ،ولا للناص حين أنشد فَهَوَى بهواك من عليائه السَّادرة إلى مقالته السَّاردة..[وكذا الشعر..]لهذا يجب علينا:"تتبع المنظورين:[العمق،والغزارة] للتحليل الظاهراتي في اتجاههما نحو تدفقات الذهن ،ونحو أعماق الروح"كما يضيف باشلار..
فالاكتفاء بهذا المقطع[بيتين:فقط]يمتلئان غزارة وعمقا:كشاهد على ما أذهب إليه:
الأيقونة [عجت:تشي باضطراب لكثرة الحوادث،وتزاحمها في المخيلة،وقد تؤدي هذه الـ[تزاحم]إلى التوقف والجمود
لتثير حالة التوحد بين الطرفين،[الناص +الذكريات]وطرف آخر[المتلقي]لامتلاء خزائن الذاكرة بينهما بالشبه،وقدرة أحدهما على فتحها،والتنقل،بل وإثارتها لتتحول إلى حالة خاصة ،وفضاء خاص بهندسة خاصة تميِّز أحدهما عن الآخر..أردفها الناص بقوله: و الدَّمـــعُ يَخْـنُـقُـهـا مكون لغوي من جملتين :اسمية تولدت عنها جملة فعلية لم تكن لها دلالة لولاها سندا لها مرتبطة بواو الحال،والفرق بين الاسمية والفعلية في الحركة والسكون..كأن الناص جمّد العلاقة بداية [الدَّمـــعُ] ليبعثها مباشرة بالجملة الفعلية[يَخْـنُـقُـهـا ]ويبث فيها الحركة والنشاط،ودلالة الفعل [خ.ن.ق]يشي بالعنف والإزالة..وهذا العنيف هو [الدمع]متى كان لغير الفرح،ولغير الابتهاج،كان للحزن والأسى على ذكريات تملأ الروح فتخنقها العبرات..
هذه الجملة الفعلية :يخنق:فعل مضارع..الفاعل ضمير مستتر يعود على المبتدإ[الدمع]والهاء ـ الضمير المتصل ـ مفعول به يعود على [خواطر القلب]..كانت تزيد على الحركة والحيوية امتدادها في المستقبل..ليلحقها مباشرة بأخرى تزيد من الـ[خ.ن.ق ]فعلا آخر لا يقل عنه عنفا :[ألجمتْ]..فهل كان التوظيف اعتباطيا لا يخضع لأية معيارية؟
إننا لا نميل إلى ذلك،ولكن الحالة متى امتلكت صاحبها أحالته إلى الشدو وتوظيف ما لا رأي له فيه توظيفا قسريًّا لا تطالبه بالعلة،والبرهنة..لأنها تتجاوز السيطرة الواعية..ولهذا [يخلق التعبير الوجود]كما يرى باشلار..حتى أنه في لحظة القراءة الواعية يسأل نفسه :هل قلت هذا فعلا..ليجيب بالتأكيد :نعم..
ولكنه لا يجيب عن سؤال:هل قلت كل ما أحس به؟بالتأكيد لأنه مازال يختزن الكثير الباقي إلى حين..
الإقرار بوجود حالات نفسية تغلبت عليه:الأرق:وزيادة ،ما يعني أن المفهوم العميق لحالة النفس تتجاوز سلسلة من الأدلة مرتدية بعضها مكان البعض أشبه بالتداول على الناص المُقرّ بحالته المستلهمة من الذكريات كل حراك يتجاوز الثابت والساكن :الملجم،والخانق،والمؤرق...بل يلهب الكيان بلظاه..عاجزة في تصور الأبعاد،عاجزة عن تحريك المكان للذهاب خارجه..وربما أملٌ في الحركة باستعمال[ر.جّ]وهي قوة الفعل فعلا..لكنه تحريك مؤلم..ناتج من ألم هناك يرسو على حافة المكان+الزمان =الشفق].....
ليس آخرا:
هل كان الشاعر في حاجة إلى دلالة عقلية ليجبرنا على تتبع ذكريات صباه/صبانا..وتحريك المواجع وإثارة المكامن في دواخلنا..؟
ليس ذلك شأنه..وليس مطالبا به..لأنه لا يدرك لحظة الشدو علاقتنا به،ولسنا من جزئيات الوعي لحظة التغييب..
وليس مطالبا بالقول حسب رؤانا،لكننا بالمقابل مطالبون بحسن التلقي،وقوة التفاعل ،وتأويل ما رأى حسب ما أنتج..لنتحول من مستهلك بالعين إلى منتج بالفكر ..
في البيتين /الأنموذج عريت القليل من :العمق/الغزارةفكيف بالكثير؟؟وكيف بالنص كله؟؟ المتعة أن تبقى مستمرا ملازما للنص واللذة أن تتفاعل مع جزئياته كأنها منك ..
أخي المبدع بلعباس الشاعر:إنني اكتفيت ـ لعجالة ـ بهذتين البيتين،وأعتذر،ولو استغرقت لكان لي من الوقت الكثير ومن القول الكثير الكثير..إن المعنى في النص يبدأ في التركيب كلما توغلنا ،واستزدنا وأعترف أنه نص لا يسلمنا درره بسهولة..
............................
غاستون باشلار :جماليات المكان:تر:غالب هلسا..صص:10..22..
عين وسارة:مدينة الشاعر تقع جنوب الجزائر العاصمة بحوالى200كلم،ينتمي إليها الحاج بونيف باسين بلعباس..وأنجبت الكثير من الكتاب والشعراء.

منشورات salempeace بتاريخ 10:56 ص. تحت قسم . You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0. Feel free to leave a response

0 التعليقات for "قراءة نقدية في قصيدة/ الناقد: باسين بلعباس :خواطر القلب للشاعر غزول بلعباس"

علّق على الموضوع

الأرشيف

أحدث التعليقات

أحدث المواضيع